عندما رأيته يغني على مسرح أبو بكر سالم بالرياض، عدت بالزمن 14 عامًا إلى الوراء، إلى المرة الأخيرة التي شاهدته فيها يغني على المسرح، في مهرجان موازين بالمغرب عام 2012. لم يكن فضل شاكر آنذاك هو الفنان نفسه الذي أراه الآن. صحيح أن الزمن رسم بصماته على ملامحه، من نظارة شمسية لا تفارق عينيه إلى جسد أكثر نحولًا، لكن روحه بدت هذه المرة أكثر إشراقًا مقارنة بالصورة القديمة التي رأيتها في الرباط، حين كان يبدو وكأنه يقف على حافة نهاية مسيرته.
تذكرت أنه قال في المؤتمر الصحفي وقتها إنه يرغب في الاعتزال، وتحدث مطولًا بعبارات امتزج فيها الفن بالسياسة والدين، عكست ارتباكًا في شخصيته وقتها، دون أن يدرك مدى المحبة التي يحملها له الملايين من الخليج إلى المحيط.
مرت 14 عامًا، وحدث ما حدث في حياة فضل. غاب عن الأضواء، وأحاطت به الأزمات والقضايا، وحاول العودة، لكنه اصطدم بعشرات العثرات التي بدت عصية على التجاوز. إلا أن الأقدار أعادت إلينا صوتًا لم ينسه جمهوره مهما حدث.
المُدهش أن حفل فضل شاكر الأول في الرياض لم يكن مجرد لحظة استقبال لفنان عائد من الغياب، بل بدا المشهد وكأن الجمهور جاء ليستكمل علاقة لم تنقطع، رغم غيابه الطويل عن المسرح. ففضل، على المستوى الفني، لم يغب طويلًا؛ إذ أصدر عدة أغنيات على مدار السنوات الماضية، لكن الأكيد أن الجمهور كان مشتاقًا إلى مشاهدته على المسرح، والتصفيق له، والغناء معه، وترديد أغنياته عن ظهر قلب، مثل "يا غايب" و"الحب وبس" و"حياة الروح" وغيرها. وهنا تفرض العودة سؤالًا أفتش عن إجابته: كيف احتفظ فضل شاكر بهذا الحضور رغم سنوات الغياب؟
الحضور في زمن المنصات
الحقيقة أن فضل ظل محتفظًا بحضوره على مدار هذه السنوات لأنه لم يغب تمامًا؛ فقد استأنف نشاطه الغنائي عام 2018، وبدأ في طرح أغنيات جديدة. لكن الفارق أن هذه الأغنيات لم تعد في حاجة إلى أسطوانة مدمجة أو شريط كاسيت، بل جاءت لتعيد صوته إلى الجمهور في زمن الرقمنة "الستريمنج".
وهو ما يفسر، من زاوية أخرى، دخول 13 أغنية له إلى قوائم بيلبورد عربية، عكست مراحل مختلفة من مسيرته. فقد امتد نجاح الإصدارات الجديدة إلى أغنياته القديمة، وأعادها إلى دائرة الاستماع، ليحافظ بذلك على خيط متصل بين مراحل مسيرته الفنية.
منذ استئنافه نشاطه الغنائي قبل ثماني سنوات، استفاد فضل من تطور التكنولوجيا التي جعلت المنصات الرقمية وسيطًا بين صوت الفنان وجمهوره، وسيطًا يعبر الحدود دون الحاجة إلى أن يقف الفنان أمام الجمهور على خشبة المسرح، أو يطل عليه إعلاميًا عبر الشاشات. كل ما يحتاج إليه هو استوديو صغير و إنترنت يوصله بالعالم.
هذا يفسر كيف ظل فضل شاكر حاضرًا حتى في غيابه عن الحفلات. فهو، بلا شك، مدين لعصر الرقمنة الموسيقية الذي أتاح للمطرب أن يظل حاضرًا دون الاعتماد على الحفلات أو التنقل بين البلدان للقاء جمهوره. وهو أمر يدعو إلى التأمل والمقارنة مع تجارب الآخرين، خاصة أن هناك أصواتًا من جيل فضل أتيحت لها كل سبل الاستمرارية، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في استغلال هذه التقنيات لإحياء مسيرتها!
ثلاثية الصوت والكلمة والإحساس
لكن ربما يبدو اختزالًا مخلًا أن ننسب بقاء فضل شاكر إلى المنصات الرقمية وحدها، أو إلى طبيعة عصر لم يعد فيه الفنان بحاجة إلى مد جسور العلاقة مع الجمهور بالوقوف على خشبة المسرح، وهنا لا يمكن إغفال عناصر أساسية لا يملكها الكثيرون بالقدر نفسه، وفي مقدمتها خامة الصوت والإحساس.
لدى فضل شاكر شيئًا يذيب المسافات بين صوته وأذن المستمع، تلك الحميمية المشحونة بالشجن، والقدرة على تحويل الجمل اللحنية إلى غناء أقرب إلى البوح والاعتراف والانكسار أيضًا. حتى التطريب لديه فلسفة خاصة، لا تميل إلى المبالغة في الحليات بقدر ما تنشغل بالتعبير عن الإحساس.
وحتى في اختيار الكلمات، يظهر اعتماده على موضوعات عاطفية شديدة القرب من التجربة الإنسانية اليومية مثل: الفراق والاشتياق والخذلان والحنين. نلمس ذلك في أغنيات "وافترقنا"، "معقول أنساك" ، "نسيت أنساك" ، "ياغايب"، و "روح"، وحتى في إصداراته الأحدث مثل "صحاك الشوق" و "كيفك ع فراقي". كلها موضوعات تدور في دوائر الشجن والانكسار والهشاشة الإنسانية، وهي حالات يعبّر عنها صوته بصدق حقيقي دون افتعال، وكأن صاحب الأغنية يأبى أن تنفصل عن شخصيته، وربما يكمن السر هنا.
سر البقاء!
السؤال الذي طرحته في بداية هذه السطور كان يبحث عن إجابة وراء سر بقاء علاقة فضل شاكر بجمهوره، ولماذا لم تنقطع رغم كل ما حدث. وربما تكمن الإجابة في أن فضل لم يحافظ على مكانه بفضل المنصات الرقمية وحدها، وإنما لأن أغنياته امتلكت منذ البداية ما يجعلها قادرة على البقاء. صوت يعرف كيف يلامس المشاعر، وكلماته يجد فيها المستمع شيئًا من حكايته، وألحان قادرة على استدعاء شريط الذكريات.
إن ما كشفته عودة فضل شاكر أن العلاقة التي يصنعها الفنان مع جمهوره عبر أغنياته لا تنتهي بالضرورة مع غيابه، وأن بعض الأصوات تترك في الذاكرة ما يكفي لتظل حاضرة حتى وإن غاب أصحابها.






