بعد غيابٍ دام ثمانية أعوام، تعود ياسمين حمدان إلى الساحة الموسيقية، بإصدارٍ جديد أقرب لأن يكون توثيقًا للحظة كانت أكبر من أن تُنسى. منذ ألبومها الأخير "الجميلات"، لم نسمع صوت ياسمين إلا عبر تعاوناتٍ متفرقة مع فنانين مثل نارسي وكريستوف وراتسو. لكنها تطلّ اليوم على جمهورها المتعطش للفن المستقلّ بأغنية "هون" التي شارك في كتابتها الشاعر أنس العيلة، ونفّذ الإنتاج الموسيقي بالاشتراك معها الموسيقي الفرنسي مارك كولان، ورافقها فيديو كليب من إخراج خليل. تعدّ الأغنية امتدادًا للحظة توقّف فيها الزمن، للحظةٍ علقت في الذاكرة الجماعية ولم تغادرها بعد. لحظة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020.
"هون. شو صاير هون؟"
هذا السؤال، الذي تفتتح به ياسمين الأغنية، لا يحتاج إلى إجابة، فالجواب عالقٌ في هواء المدينة المحمّل بالرماد. في منشورٍ على إنستغرام، وصفت ياسمين اللحظة التي وُلدت فيها الأغنية، حين كانت جالسةً في شقتها في باريس، بعيدةً عن بيروت، عندما تلقت اتصالًا من شقيقتها بعد دقيقة واحدة فقط من الانفجار. كتبت في المنشور: "في ثوانٍ، تحوّلت بيروت إلى ضبابٍ ودخان. أنا في مكان بعيد عن بيروت، أشعر أنَّي مسحوقةٌ بالكامل. من هذه التجربة تدفّقت كلمات أغنيتي هون. كما من شعوري بالكَسر والعجز عن التمييز بين هون وهونيك."
بكل بساطة ودون تكلف في الكلمات، تتحدث ياسمين بلساننا جميعًا، نحن الذين دفعتنا الظروف بعيدًا عن أوطاننا، فبتنا نشاهدها من خلف الشاشات بكل عجز، بين خبرٍ مأساوي وآخر، وكأننا نعيش في بثٍّ حيٍّ دائمٍ للكارثة. تعكس كلمات الأغنية هذا الإحساس ببلاغةٍ آسرة، كأن الكارثة تتسلل إلينا في منازلنا، تجثم على صدورنا رغم بعد المسافات، كأننا نراها أمامنا في بيتنا، كما تغني ياسمين. "قتيل بغرفة النوم... غيمة بوسط الصالون."
معاني أبعد من الحادثة الواحدة
ورغم أن ياسمين استلهمت كلمات الأغنية من انفجار مرفأ بيروت، إلا أن صداها يتجاوز تلك اللحظة، ليعكس وجعًا أوسع يشترك فيه كثيرون. وما إن صدرت الأغنية، حتى سارع جمهورها لمشاطرة ياسمين إحساسها، وكأن "هون" لم تعد مجرد حكاية فردية، بل صدى لجراحٍ جماعية عربية. في الأغنية وفي صوت ياسمين ميلانكوليا خام، يذكرني بحزن فيروز التي توقفت عن الغناء في لبنان طيلة فترة الحرب الأهلية، ثم عادت لتغني في ساحة الشهداء حين وضعت الحرب أوزارها. كأن الفن يُستدعى حين تنزف الأوطان.
في "هون" كما في الواقع، هناك لحظة صمتٍ تبدو مخيفة، تسبق الانفجار. اللحن يبدأ هادئًا طيلة النصف الأول من الأغنية، لكنه يخفي بين طياته توترًا متصاعدًا، كأننا أمام قنبلةٍ موقوتة. في النصف الثاني، تتعالى الموسيقى فجأة، مع دوي أصواتٍ تشبه صفارات الإنذار وإيقاعاتٍ صناعيةٍ ديستوبية، تعيدنا إلى موسيقى "الجميلات".
الأغنية ليست مجرد مرثية، بل هي لحظة مواجهة. مواجهةٌ مع الحاضر، مع الذاكرة، مع الشعور بالعجز والغضب والحنين. "هون" ليست عن بيروت وحدها، بل عن كل مدينةٍ تشبه بيروت، عن كل وطنٍ ينفجر ويتداعى، بينما يظل ناسه عالقين بين هنا وهناك، بين الفاجعة والذاكرة.
عودة ياسمين حمدان للإصدارات
منذ بداياتها المستقلة مع زيد حمدان في تجربة الصابون يقتل، اعتدنا أن تغرّد ياسمين خارج السرب، لا تسير وفق إيقاع أحد، بل تصنع إيقاعها الخاص. لم تكن يومًا أسيرة إملاءات السوق أو رزنامة الإصدارات، بل تترك الفن يأتيها كما يشاء، حين يحلّ الإلهام، لا حين تفرضه المعادلات التجارية. تفعل ياسمين ما يحلو لها، فقط عندما تشعر أنه الوقت المناسب، وكأنها تستمع إلى صوت داخلي لا يسمعه سواها، صوت يقودها بعيدًا عن التيار، حيث الموسيقى تنبع من الحاجة الصادقة، لا من ضرورة الوجود على الساحة.
كشفت ياسمين أن "هون" هي أولى الأغاني التي كتبتها لألبومها الجديد، رغم أنها لم تعلن بعد عن تفاصيله أو موعد صدوره. لكن إن كانت هذه مجرد البداية، فنحن أمام عملٍ قد يكون علامة فارقة في مسيرتها. وإن طال الانتظار يا ياسمين، سنظل "هون"، ننتظر بفارغ الصبر.