يحكي عازف الأورج وعضو الفرقة الماسية مجدي الحسيني أنه وخلال رحلة مع عبد الحليم حافظ إلى باريس، اكتشف هناك آلة مبتكرة تُدعى "موج سنثسايزر"، كانت تمزج بين التقنيات اليابانية والأمريكية والإيطالية. عاد حينها إلى عبد الحليم متحمسًا، يخبره عن الآلة بينما كانا في طريقهما إلى المطار، فقرر عبد الحليم فجأة أنه لا بد من العودة لرؤية الآلة بنفسه!
لم يكن السعر المرتفع عائقًا أمام شغفه بالتجديد، لكنه اضطر إلى بيع ساعة ثمينة كان قد اشتراها خلال الرحلة ليمتلك تلك الآلة مباشرةً، حسبما ذكر مجدي في واحدة من مقابلاته، قائلًا: "أكبر فنان يصرف على فنه ويجيب لنا آلات للعازفين، ماكنش في فنان بيجيب آلات للعازفين بالشكل اللي كان بيعمله."
لم يكن عبد الحليم حافظ مطربًا رائدًا وحسب، بل كان أيضًا موزعًا موسيقيًا عبقريًا يمتلك القدرة على توجيه الآلات كما لو كانت امتدادًا لصوته. ولم يقتصر دوره كموزع موسيقي على قيادة العازفين فقط، بل كان يسعى دائمًا لتحديث الصوت الموسيقي وإدخال أدوات جديدة.
نتتبع في هذا المقال كيف أحدث عبد الحليم ثورة في التوزيع الموسيقي العربي، من خلال دمج الآلات الغربية والشرقية بشكل غير مسبوق، ليترك بصمته التي لا تزال حيّة حتى اليوم.
من آلة الأوبوا إلى الغناء ثم التوزيع
عندما قرر عبدالحليم حافظ الانتساب إلى المعهد العالي للموسيقى المسرحية، بدأ رحلته الفنية كعازف على آلة الأوبوا، وهي آلة نفخ خشبية. انتقل بعدها إلى الإذاعة وشارك مع فرقة الأنغام الذهبية بقيادة عبد الحميد توفيق زكي، الذي آمن بموهبته الغنائية إلى جانب عزفه. في عام 1951، قدم عبد الحليم قصيدة "لقاء" من كلمات صلاح عبد الصبور ولحن كمال الطويل، الذي كان زميله في المعهد، ليبدأ مسيرته الغنائية التي طالما استندت إلى دراسته الألحان والعزف.
عُرف عبد الحليم بشغفه الشديد بالموسيقى واهتمامه الدقيق بالألحان، إلى درجة أنه كان يطلب تعديلات معينة من الملحنين، ما جعله عرضة لانتقادات الصحافة التي رأت في ذلك تدخّلًا زائدًا. لكن الحقيقة أن تدخّلاته لم تكن عبثية، بل نابعة من فهم ودراية موسيقية، فبعض الملحنين أحبوا العمل معه، معتبرين أنه يمتلك رؤية موسيقية تجعله شريكًا فعليًا في تطوير اللحن، بينما فضّل آخرون الحدّ من تدخّلاته، خاصة أثناء البروفات أمام الفرقة، حفاظًا على دور كل طرف في العملية الإنتاجية.
في مقابلة أجراها مع برنامج "أوتوغراف" مع سنة 1976، سأله الإعلامي طارق حبيب: "كلنا عارفين إنك دارس آلات، مفكرتش تلحن لنفسك؟"، فأجابه: "أنا معنديش موهبة التلحين"، وعندما سأله عن موهبته في عزف الآلات، أجاب: "بعزف العود، بعزف البيانو، لازم أعرف حدود كل آلة".
في قلب الفرقة: المايسترو عبد الحليم
تعرض عبد الحليم لبعض الانتقادات لوجود قائد الفرقة الماسية أحمد فؤاد حسن، الذي كان يرافق الفرقة في الحفلات كعازف على القانون. لكن عبد الحليم حافظ كان دائمًا يوضح في مقابلاته أن أحمد فؤاد حسن هو رئيس الفرقة الماسية وليس قائدها، قائلًا: "أستاذ فؤاد هو معايا رئيس الفرقة مش قائد الفرقة، وأنا بديهم إحساسي، بديه بإيديا وبديه بإشارتي".
كان عبد الحليم يغوص في عالمه الخاص على المسرح أمام أعين الجميع، ويتحول إلى المايسترو ما إن تبدأ الأغنية. أمامه كانت الفرقة الماسية، كل آلة فيها تحكي لغة مختلفة، لكنه وحده كان يفهمها جميعًا. ببساطة يده وإشارة خاطفة، كان يعطي الضوء الأخضر للآلات، يشير للكمانات لتنساب في الخلفية كظل خفيف، قبل أن يفتح الطريق أمام صوت الناي الحالم، أو يترك للساكسفون مساحته في صولو طويل.
لم يكن مغنيًا عاديًا يقف أمام فرقة تعزف له، بل كان جزءًا منها، يتحرك بينهم وكأنه واحد منهم، يوزع الأدوار بعينيه وإشاراته، ويتناغم معهم كما لو أنهم يتنفسون إيقاعًا واحدًا. وفي لحظات نادرة، كان الحماس يغلبه، فيترك موقعه ليشاركهم العزف، كما حدث في أغنية "فاتت جنبنا"، حين أخذ الدف من يد أحد العازفين واندمج في الإيقاع.
في الفيديوهات النادرة التي وثّقت كواليس بروفات أغانيه، نرى بوضوح الجانب الآخر لعبد الحليم، كقائد موسيقي شديد الدقة. في بروفة أغنية "حبيبها" من ألحان محمد الموجي، التي جرت عام 1976 في تونس، نراه واقفًا وسط الفرقة، يوجّه العازفين بإشارات دقيقة وتعليمات متخصصة. كان يتابع كل تفصيلة، يطلب إعادة بعض الجمل الموسيقية، ويشرح كيف يريد الانتقال بين النوتات، ومتى يكون الإيقاع أكثر ليونة ومتى يحتاج إلى قوة.
التجديد في التوزيع الموسيقي وجمالياته
تشارك عبد الحليم حافظ شغفه بالآلات الغربية مع الملحنين الذين تعاون معهم، وكان بليغ حمدي في مقدمتهم. في عام 1966، سمح عبد الحليم بإدخال الجيتار الكهربائي لأول مرة في أغنيته "سوّاح" لكنه أبقاه في الخلفية كتجربة موسيقية. ورغم أن الجيتار الكهربائي كان قد دخل إلى أغاني أم كلثوم مع ألحان عبد الوهاب في أغنية "انت عمري" عام 1964، إلا أن عازف الجيتار عمر خورشيد مع الفرقة الماسية قدّموا في "زي الهوى" عام 1970 واحدة من أكثر المقدمات إثارة في تاريخ الأغنية العربية.
إذا نظرنا إلى الفرقة الموسيقية التي رافقت عبد الحليم في حفلة "أي دمعة حزن لا" عام 1974، نرى كيف كان التوزيع الموسيقي يدمج بين الأدوات الغربية والشرقية بانسجام تام. تتابع العزف في المقدمة بتنسيق مثير، بدءًا من الأورج والجيتار الكهربائي، إلى صولو الساكسفون الذي قدّمه العازف الشهير سمير سرور، ثم جاء المزمار ليضيف النغمة تقليدية أو الفلكلورية، قبل أن يدخل العود الكهربائي مع العازف إبراهيم عشماوي. بينما ينسى عبدالحليم نفسه ويقوم بالدوران حول نفسه والتصفيق لهم.
في العام 1975، صعد عبد الحليم إلى مسرح أحد حفلاته، ومن خلفه العازف مجدي الحسيني على "السنثسايزر" الذي جلباه سويًا بعد عودتهما من رحلة باريس، وبدأ بعزف مقدمة "نبتدي منين الحكاية" من ألحان محمد عبد الوهاب. استغرقت التجارب أيامًا طويلة لاستخراج الصوت المثالي، حتى نجح مجدي في الوصول إلى نغمة أدهشت عبد الوهاب، إذ رآها قريبة من روح الموسيقى الشرقية. وعندما سمع الجمهور هذا الصوت لأول مرة، ظن الكثيرون أنهم يستمعون إلى السيتار الهندي، واليوم يمكننا القول أنها كانت لحظة فارقة في تطور التوزيع الموسيقي العربي.